‫الرئيسية‬ غير مصنف الكتب القديمة: "أزمة مجتمع أم أزمة قارئ؟؟"
غير مصنف - 20 أكتوبر، 2016

الكتب القديمة: "أزمة مجتمع أم أزمة قارئ؟؟"

 Résultat de recherche d'images pour "‫نهج الدباغين تونس‬‎"












قــيــس الــعرقــوبي  





“نهج الدبّاغين”، هذا الشّارع الصّغير المتمركز غير بعيد عن مدينة تونس
العتيقة التي نحتها العرب القادمون من المشرق قبل 13 قرناً، كان ولا يزال سوقاً
شعبية تُباع فيها الكتب والمجلات القديمة، حيث شكّل طوال سنوات قبلة للمثقفين
والأدباء والطّلبة وعامة النّاس، شأنه في ذلك شأن “سور الأزبكية” في
القاهرة و “شارع المتنبّي”  في بغداد.

وقبل أن تستوطنه تجارة الكتب القديمة، كان “نهج
الدبَّاغين” مجرد زقاق على أطراف مدينة تونس العتيقة يضم دكاكين متخصصة في
دباغة جلود الحيوانات، فقد كانت الدولة تُقصي بعض الصناعات والحرف، كالحدادة
والدباغة، خارج سور المدينة أو إلى أطرافها.

ولاحقاً، مع قدوم الاستعمار الفرنسي وتشييده الحي الأوروبي، خارج
المدينة القديمة، صار الزّقاق أحد شوارع الحيّ الذي شُيّدت فيه عمارات سكنية ومحال
تجارية، وبعد استقلال تونس عام 1956، بدأ الشارع يتحول شيئاً فشيئاً إلى مكان
يتجمع فيه باعة الكتب القديمة، وتزامن ذلك مع افتتاح عدد من المكتبات في الشارع
تبيع كُتباً قديمةً وجديدةً، ليتحوّل المكان مع مرور الوقت إلى سوق خاصة بالكتب.
“سوق الدباغين” إرث تاريخي

في كلّ عواصم العالم توجد أسواق لبيع الكتب القديمة والمستعملة وفي
غالب الأحيان النّادرة، على غرار “سوق الأزبكيّة” في القاهرة
و”شارع المتنبي” في بغداد و”شارع الحلبوني” وسط دمشق
و”سوق سيدي البرنوصي” بالدّار البيضاء و”سوق الدباغين” بتونس
العاصمة.

ويصنّف الخبراء سوق “نهج الدباغين” على أنّها إرث نفيس
وموروث ثمين، ومتحف له عمقه الحضاري ووزنه التاريخي، حيث يجد فيه عشّاق الكتب
والمطالعة ضالتهم من الكتب النّادرة بجميع أنواعها السياسيّة والثقافيّة والدينيّة
والفلسفيّة والأدبيّة والشعريّة وحتّى المجلّدات ذات القيمة التاريخيّة العظيمة
بالنّسبة للعلوم الطبيّة والهندسيّة الفكريّة والتاريخيّة العظيمة، ممّا جعل من
“نهج الدباغين” معرضا لنفائس المصنفات المكتوبة والمخطوطات الذي يستقطب
يوميّا فئات متنوعة من النّخب الفكريّة والمثقفين باختلاف ألوانهم وانتماءاتهم وهواجسهم
الإبداعيّة.

زحف السّلع الصينية

تكشف المؤشرات أنّ السّوق بدأت تفقد وهجها في السنوات الأخيرة، حيث
أخذت “بسطات الكتب” في الانحسار مقابل التمدد الكبير لـ”بسطات
السّلع الصينية”، وتحولت بعض المكتبات والدكاكين التي كانت مخصصة لبيع الكتب
المستعملة إلى مطاعم ومحالّ لبيع الوجبات الخفيفة، لذلك لم يعد للكتاب في تونس سوق
خاصة به، فقد تحول الشارع الصغير إلى سوق شعبية مختلطة، تحت وطأة التغييرات
الاجتماعية والاقتصادية والتطور التكنولوجي الهائل.

ويقول العديد من أهل السوق أنّ “تجارة الكتب والمجلاّت القديمة
لم تعد مصدرا كافيا لكسب لقمة العيش، لذلك هجرها كثيرون نحو مهن أخرى، وقد تحوّل
بعض المهنيين إلى بائع متجوّل يسوّق صنوفا متنوعة من الأكلات الخفيفة فيما اتجه
البعض الآخر نحو العمل الوظيفي أو امتهان أشغال حرّة متعدّدة، كما يؤكّد أصحاب
المهنة أنّ البائع قد يمضي يوما أو يومين تُمضي دون أن يبيع كتابا واحدا.
“أزمة مجتمع أم أزمة قارئ؟؟”

 يرجع الصّحفي التونسي “محمد بالطيب” أزمة سوق الكتب
القديمة إلى الوضع الاقتصادي والتغيّرات الاجتماعية الجذرية التي حصلت في البلاد
قبل بضع سنوات، والتي عمّقتها أكثر “ثورة 17 ديسمبر – 14 جانفي”، لافتا
إلى أنّ معدّلات القراءة في تونس والعالم العربي ضعيفة ومتدنية مقارنةً ببقاع أخرى
في العالم، وأنّ للعوامل الاقتصادية والاجتماعية دوراً كبيراً في هذا التدني كون
المواطن التّونسي صار يلهث وراء لقمة العيش في ظلّ قدرة شرائيّة متدهورة وأزمة اقتصادية
خانقة”، مضيفا بالقول: ” الثقافة والقراءة أمست بالنسبة للتونسي نوعا من
التّرف والكماليّات التي يمكن التخلي عنها في سبيل المحافظة على الوجود”.

ومن ناحيته يرجع الصحفي والباحث التونسي، “عبد الستار
العايدي”، تضاؤل حجم سوق الكتب القديمة في تونس وحجم الإقبال عليها إلى
“التطورات التكنولوجية التي يعيشها العالم اليوم مؤكّدا أنّ أغلب الكتب
القديمة أصبحت متوفرة على شبكة الإنترنت وبشكل مجاني بخلاف الكتب الجيدة التي، وإن
توفرت، ستكون على منصات البيع الإلكتروني، على الأقل عند إطلاقها أول مرة، لذلك
يُصبح من الأفضل على المهتمين تحميل هذه الكتب على حواسيبهم أو على هواتفهم الذكية
دون شرائها من بسطات نهج الدَبَّاغين العتيقة”.

ويقول “العايدي” إنّ “حركة تطور المجتمعات السائرة
إلى الأمام دوماً تفرض حتماً، كما في كل العصور، تلاشي الكثير من المهن والوظائف
وأنواع من التجارة، حيث سيكون  المستقبل لشبكة الإنترنت”، وأنّ
“هذا الأمر هنا لا يقتصر على تجارة الكتب القديمة أو الجديدة بل ينسحب على كل
أشكال النشر، حيث بدأ الإعتماد على الورق يتلاشى شيئاً فشئياً وحركة النشر تهاجر
نحو الإنترنت، وبذلك ستحلّ مكان هذه الأسواق المخصصة للكتب القديمة مواقع
إلكترونية تقوم بالمهمة نفسها”.
مبادرات شبابيّة

 في خضمّ حالة التراجع التي تشهدها سوق الكتب القديمة في تونس
انتفض بعض الشباب على شبكات التواصل الاجتماعي للتّظاهر ضدّ ما يتهدد هذه
الفضاءات، حيث أطلقوا حملة “أنا اشتريت كتاب وأنت وقتاش؟؟”، وذلك في إطار
مساندة سوق “الدبّاغين”، كما بادرت فئة من الشباب الشغوفين بالمطالعة
على تنظيم تظاهرة ثقافية حفل بها عدد من المقاهي وفضاءات المدينة العتيقة بهدف
توسيع نشر ثقافة القراءة، وهو شكل من أشكال الإمتداد لتظاهرة أطلق عليها منذ سنتين
“تونس تقرأ”، والتي كانت لها ثمرات إيجابيّة كبيرة.

ويلاحظ خلال تصفّح شبكة التّواصل الإجتماعي “فايسبوك”
كثافة المبادرات الفرديّة والجماعيّة في أوساط الشّباب والتي ترمي إلى التّحفيز
على اقتناء الكتب والمصنّفات القديمة ذات المحتوى القيّم الذي من شأنه أن يحقّق
الإفادة الفكريّة والثقافيّة من خلال توفير المعلومات ووضعها على الذمّة طالبيها
من عشّاق المطالعة وكلّ من يرغب في توسيع معارفه وإثراء ثقافته العامّة.

كتب الشعوذة والسّحر والبحث عن الكنوز

في غمرة الفوضى التي خلّفتها أحداث الثورة، لم تعد سوق “نهج
الدباغين” حكرا على مصنّفات بعينها، حيث زحفت على بسطات السوق عشرات النسخ من
مؤلفات السحر والشعوذة وما اصطلح عليه بالكتب الطبيّة ومطويّات العلاج بالأعشاب،
والتي يؤكّد أهل السّوق التي باتت تلقى رواجا يتجاوز معروضاتهم، حيث تباع هذه
المصنفات بأسعار يصفونها بـ “الباهظة” والتي تتأرجح بين 30 و70 دينار
للنسخة الواحدة.

ويثبت بعض من أهل السوق أنّ كتب الدّجل والسّحر تلقى إقبالا واسعا من
النساء والرجال كما تلقى اهتماما من الشّباب والشيوخ وأيضا من كافة الفئات
الإجتماعيّة ومن مستويات تعليميّة متباينة على مؤكّدين أن هذه الكتب الغريبة
تتمتّع برواج كبير ويقتنيها المثقفون والمتعلّمون أو دونهم اضافة إلى رواج الكتب
والمنشورات الخاصّة بالوصفات الطبيّة العشبيّة لمداواة الأمراض المختلفة وبالخصوص
المتضمنة لوصفات “تقوية العجز الجنسي” و”علاج العقم” لدى
الرجال أو النساء على حدّ سواء.

وصرّح أكثر من طرف أنّ هذه النوعيّة من المعروضات أضحت مصدر ثراء
لمروجيها خاصّة في ظلّ تكاثر عرض ما يعرف بـ “كتب استخراج الكنوز”
مبررين التهافت الكبير على اقتنائها  بعجلة بعض التونسيين على قضاء حاجاتهم
والبحث عن الغنى والثراء السريع، ويعتبر أحد المنتصبين من قدماء السّوق أنّ الأمر
هو بالأساس “مشكلة عقليّة” فالفتاة التي لم تتزوج وبدأت تدخل مرحلة
العنوسة أو كادت تطرق هذا الباب ومن يبحث عن الكنوز والآثار بغاية تكوين الثّروة
في وقت سريع بدوره يدقّ باب نهج الدباغين”، في ذهب آخرون إلى وصف ظاهرة
الإقبال عليها بـ “ضعف الشخصّيّة” و”قلّة الإيمان”.


وتبرز إحدى الدّراسات المنجزة أنّ ما بين 3 و4 مليار دولار هي قيمة
النفقات التي يهدرها مواطنون من العالم العربي على اقتناء مصنفات الشعوذة والدّجل
وجلب الحظ وطرق استخراج الكنوز، حيث تصنّف المجتمعات العربيّة على أنّها الأكثر
إنفاقا على هذه المصنفات مثلها في ذلك مثل دول آسياويّة وافريقيّة معروفة بالتركيز
على هذه المتعلّقات والانجذاب إليها واستعمالها بكثافة في الحياة اليوميّة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

صحف إسبانيا تنعى سقوط الريال وبرشلونة

سلطت الصحف الإسبانية الصادرة صباح اليوم الأحد، الضوء على خسارة القطبين ريال مدريد وبرشلونة…